ابن أبي الحديد
91
شرح نهج البلاغة
رسولا منهم ، يتلو كتابا لم يكن من قبله ولا يخطه بيمينه ، إذا لارتاب المبطلون ، فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما ! أما بعد ، فإن ما كنا نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقى عادل ، مع رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، أتقياء مرشدين ، ما زالوا منارا للهدى ، ومعالم للدين ، خلفا عن سلف مهتدين ، أهل دين لا دنيا ، كل الخير فيهم ، واتبعهم من الناس ملوك وأقيال ، وأهل بيوتات وشرف ، ليسوا بناكثين ولا قاسطين ، فلم يكن رغبة من رغب عنهم وعن صحبتهم إلا لمرارة الحق حيث جرعوها ، ولو عورته حيث سلكوها ، وغلبت عليهم دنيا مؤثرة ، وهو متبع ، وكان أمر الله قدرا مقدورا ، وقد فارق الاسلام قبلنا جبلة بن الأيهم فرارا من الضيم ، وأنفا ( 1 ) من الذلة ، فلا تفخرن يا معاوية ، إن شددنا نحوك الرحال ، وأوضعنا إليك الركاب . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولجميع المسلمين . فعظم على معاوية ما سمعه وغضب ، لكنه أمسك ( 2 ) ، وقال : يا عبد الله ، إنا لم نرد بما قلناه أن نوردك مشرع ظمأ ، ولا أن نصدرك عن مكرع ري ، ولكن القول قد يجرى بصاحبه إلى غير ما ينطوي عليه من الفعل ، ثم أجلسه معه على سريره ، ودعا له بمقطعات وبرود فصبها عليه ، وأقبل نحوه بوجهه يحدثه حتى قام . وقام معه عمرو بن مرة وعمرو بن صيفي الجهنيان ، فأقبلا عليه بأشد العتاب وأمضه ، يلومانه في خطبته ، وما واجه به معاوية . فقال طارق : والله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي أن بطن الأرض خير لي من ظهرها عند سماعي ما أظهر من العيب والنقص لمن هو خير منه في الدنيا والآخرة ، وما زهت به نفسه ، وملكه عجبه ، وعاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله واستنقصهم ، فقمت مقاما أوجب الله على فيه ألا أقول إلا حقا ، وأي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا !
--> ( 1 ) ج : ( وأنفة من المذلة ) . ( 2 ) ج : ( تماسك ) .